ابراهيم بن عمر البقاعي
228
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
للرحيل عنها يَدْخُلُونَها أي الثلاثة أصناف ، ومن دخلها لم يخرج منها لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج على أن الضمير ل « الذين » ومن قال ل « عبادنا » خص الدخول بالمقتصد والسابق - هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الخاء ، وعلى قراءة أبي عمرو بالبناء للمفعول يكون الضمير للسابق فقط ، لأنهم يكونون في وقت الحساب على كثبان المسك ومنابر النور فيستطيبون مكانهم ، فإذا دعوا إلى الجنة أبطؤوا فيساقون إليها كما في آخر الزمر . ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال : يُحَلَّوْنَ فِيها أي يلبسون على سبيل التزين والتحلي مِنْ أَساوِرَ ولما كان للإبهام ثم البيان مزيد روعة للنفس ، وكان مقصود السورة إثبات القدرة الكاملة لإثبات أتم الإبقاءين ، شوق إلى الطاعة الموصلة إليه بأفضل ما نعرف من الحلية ، فقال مبينا لنوع الأساور : مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ولما كانت لا تليق إلا على اللباس الفاخر ، قال معرفا أنهم حين الدخول يكونون لابسين : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * . ولما كان المقتصد والسابق يحزنون لكمالهم وشدة شفقتهم على الظالم إذا قوصص ، جمع فقال معبرا بالماضي تحقيقا له : وَقالُوا أي عند دخولهم : الْحَمْدُ أي الإحاطة بأوصاف الكمال لِلَّهِ أي الذي له تمام القدرة الَّذِي أَذْهَبَ أي بدخولنا هذا عَنَّا الْحَزَنَ أي هذا النوع بكماله ، فلا نحزن على شيء كان فاتنا ، ولا يكون لنا حزن أبدا لأنا صرنا في دار لا يفوت فيها شيء أصلا ولا يفنى . ولما كانوا عالمين بما اجترحوه من الزلات أو الهفوات أو الغفلات التي لولا الكرم لأدتهم إلى النار ، عللوا ما صاروا إليه معها بقولهم ، مؤكدين إعلاما بما عندهم من السرور بالعفو عن ذنوبهم ، وأن ما أكدوه حقيق بأن يتغالى في تأكيده لما رأوا من صحته وجنوا من حلو ثمرته : إِنَّ رَبَّنا أي المحسن إلينا مع إساءتنا لَغَفُورٌ أي محاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين الأولين شَكُورٌ * أي على ما وهبه للعبد من حسن طاعته ووفقه له من الأعمال الحسنة فجعله به سابقا ، ثم وصفوه بما هو شكر له فقالوا : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي الإقامة ومكانها وزمانها التي لا يريد النازل بها على كثرة النازلين بها - ارتحالا منها ، ولا يراد به ذلك ، ولا شيء فيها يزول فيؤسف عليه . وكان المالك المطلق لا يجب عليه شيء ولا استحقاق لمملوكه عليه بوجه قال : مِنْ فَضْلِهِ أي بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منّا منه سبحانه ، لو لم يبعثنا عليها وييسرها لنا لما كانت . ولما تذكروا ما شاهدوه في عرصات القيامة من تلك الكروب والأهوال ، والأنكاد